الانسحاب من سورية وتكتيكات سياسة بوتين

17.03.2016

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساء يوم 14 آذار/مارس، في اجتماع خاص في الكرملين،  بدء انسحاب القوات الروسية من سورية. وقال الرئيس ان القوات الروسية قد أكملت جميع مهامها. والآن، هذا الانسحاب يجب أن "يشجع عملية السلام". ما الذي دفع روسيا في هذا التوقيت بالذات للخروج من سورية؟ وما هي خطوات موسكو بعد ذلك؟
انتصار الأميركيين؟
شهد الشهر الماضي، توصل الولايات المتحدة وروسيا لاتفاق وقف إطلاق النار في سورية. وقبل أسبوعين، دخل حيز التنفيذ. وجاءت الهدنة نتيجة لعدة أشهر من المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا. واشنطن عملت على ابتزاز روسيا بإمكانية حدوث مواجهة عسكرية مع أحد حلفائها (تركيا، قطر، المملكة العربية السعودية). وفي حال نشوب نزاع، كان الأمركيون على استعداد للوقوف إلى جانب الأتراك والسعوديين. مرارا وتكرارا، هذه البلدان لمحت بما لا لبس فيه، حول إمكانية غزو سورية. وكان هدف الأميركيين، الضغط والتهديد المباشر لوقف التغلغل الناجح للقوات السورية في شمال البلاد، والذي جرى بدعم من القوات الجوية الروسية. والذي كان سيؤدي لسد سبل توريد الأسلحة للمقاتلين في سورية من تركيا.
وفي النهاية، تم وقف الهجوم، حلب تتواجد في حصار، إلا أن المدينة لم تسقط. الأمريكان نجحوا في سعيهم. القتال توقف، رغم بعض التجاوزات. رسميا، انسحاب القوات الروسية يمكن أن يعتبر فوزا كبيرا للاميركيين. إلا أن رد الفعل المتحفظ للقيادة الأمريكية، يظهر أن الأمور ليست بهذه البساطة.
قرار توافقي
بعد بدء العملية العسكرية الروسية في سورية، انقسمت النخبة الروسية إلى مجموعتين، بشكل يتطابق مع التقسيم التقليدي بين الوطنيين والليبراليين في المجتمع الروسي، وأصبح التوازن بينهما السمة المميزة لسياسات بوتين. الوطنيون، الذين كان الصوت الأقوي في صفوفهم للجنرالات، طالبوا بمواصلة الحرب حتى النهاية، والليبراليون، طالبوا بالخروج من الصراع في العام الماضي والمصالحة مع الغرب. وكانت النتيجة حلا وسطا - سحب القوات، ولكن ليس على الفور وليس كل القوات. يمكن أن يسمى هذا القرار، نوعا من التوازن بين القطبين. وهذه هي التكتيكات التي نجح الرئيس الروسي في استخدامها بمهارة.
وراء ضجيج الأنباء عن انسحاب القوات الروسية يختبئ سؤال: ليس من المعروف ما الذي سيتم سحبه من سورية، وفي أي إطار زمني. عدم الإعلان عن التوقيت، وعن نوع المعدات والوحدات التي سيتم سحبها، أعطى موسكو مجالا واسعا للمناورة، بما في ذلك في المجال الدبلوماسي. المؤشرات الكمية والنوعية والزمنية هي ورقة رابحة في المفاوضات ليس فقط مع الغرب، ولكن أيضا مع دمشق وطهران.
تكتيكات الخروج إلى آفاق جديدة
بوتين، في الوقت نفسه، يسحب ولا يسحب القوات، ما يتيح لكلا المجموعتين في المجتمع الروسي والنخبة الروسية بتأويل القرار بما يتوافق مع ميولهم. هذا الأسلوب، أصبح النمط الذي يميز سياسة الرئيس الروسي. هذا الأسلوب شهدناه بعد ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، عندما أعلنت موسكو أنها لن تتورط في مواجهة واسعة النطاق مع الغرب بشأن أوكرانيا. ومع ذلك، فهي حافظت على شبه جزيرة القرم ورسخت وجودها شرقي دونيتسك ولوغانسك، حيث تم إعلان جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين المواليتين للكرملين. وقبل ذلك، في العام 2008، خلال الأزمة مع جورجيا، بدت موسكو جدية في نواياها المضي قدما حتى تبليسي، ولكنها رغم الاستيلاء على أراضي جورجيا، عادت وسحبت قواتها إلى حدود أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.
السياسة الخارجية لروسيا بوتين، اتسمت بأنها مجموعة من الهجمات التوسعية ملحوقة بتراجع تكتيكي، عندما تتنازل روسيا طوعا عن جزء من النقاط التي تملكتها، ولكن ليس كلها. وهكذا، ففي الصورة الكاملة، فإن روسيا عند كل تنازل من هذا النوع، تحصل على جديد. وفي نفس الوقت، بعد كل هزة، روسيا تدفع المجتمع الدولي للتسلام بمكانتها الجديدة والأفضل في النظام العالمي. ما بدا ممكنا في روسيا العام 2008، كان من الصعب تصوره في العام 2005، وضم شبه جزيرة القرم، والحرب في أوكرانيا وظهور جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، كان شيئا من الأمور الخيالية في العام 2008، والعملية العسكرية في سورية، لم تكن متوقعة أبدا قبل عام.
واقعان لبوتين
إذا قمنا بتحليل جميع عناصر هذه السياسة، وكذلك العمليات السياسية الداخلية المصاحبة للخطوات السياسة الخارجية، وردود الفعل عليها، ودرجة الحماس أو الإدانة لهذه الخطوات، فإنه يمكن أن نخلص إلى أن هذه الاستراتيجية لروسيا - نتيجة لمزيج من نوعين من التفكير الواقعي، ينتميان لجماعتين مؤثرتين على السياسة الخارجية الروسية مختلفتين تماما بتفكيرهما وتوجههما.
الواقع الدولي
النوع الأول يمكن أن يسمى الواقع العالمي. وهو يأتي من تصور روسيا كقوة عظمى ذات طموحات عالمية، مرت بوضع صعب في تسعينات القرن الماضي، ولكنها تسعى لاستعادة الأرض المفقودة. هذا إرث التفكير الإمبراطوري وفكر الاتحاد السوفيتي، الذي يسعى لتدمير نظام الهيمنة الأمريكية أحادية القطب وبناء نموذج لعالم متعدد الأقطاب، في إطار الأولويات الاستراتيجية للاتحاد الروسي، هو هدف أنصار هذا النوع من التفكير. الواقعية العالمية تعني التدمير المتعمد للنظام القائم وبناء نظام جديد حسب رؤية المصالح الوطنية الروسية، والتي ترى روسيا واحدة من الأعمدة العالمية. منطق السعي لتحقيق المصالح الوطنية من هذا المنظور، سيؤدي بما لا شك فيه إلى مواجهة قاسية مع الولايات المتحدة. والحماس الواضح للفكر المعادي للولايات المتحدة في المجتمع الروسي خلال فترة الربيع الروسي، وخلال النزاع الروسي الجورجي والآن في الحرب في سورية، هو علامة واضحة على الموافقة على هذا النوع.
ومن الجدير بالذكر أن الغرب يعتبر "الهجمات الروسية" نتيجة للتفكير باسلوب "الواقع الدولي"، في شبه جزيرة القرم، ودونباس، وفي سورية، وقبل ذلك في جورجيا، روسيا في كل مرة كانت تتجاوز الحدود التي تنص عليها المنظومة العالمية. وهكذا، الجنرال الأمريكي فيليب بريدلاف، قائد قوات الولايات المتحدة في أوروبا، والقائد الأعلى للقوات المسلحة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا، في الآونة الأخيرة، وصل إلى استنتاج مفاده أن بوتين يسعى لوضع قواعد اللعبة بنفسه، بدلا من محاولة اللعب بالقواعد القديمة. وإلى استنتاج مشابه، وصل مدير المخابرات الأمريكية جيمس كلابر، الذي يرى أن بوتين يواصل الاسلوب التوسعي للجيوسياسة الروسية، علاوة على ذلك، قال كلابر أن بوتين هو اول زعيم روسي منذ ستالين، قام بتوسيع أراضي البلاد.
ضم شبه جزيرة القرم، رد قاس. في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وظهور دونباس، ومشاركة روسيا في الحرب في سورية - كل هذا لم يكن ليصبح ممكنا من دون تأثير هذا النموذج، وتأثير أفراد ومراكز وجهات محددة. في المقام الأول، مثل هذا الفهم يعود للمسؤولين العسكريين والدبلوماسيين من "المدرسة القديمة" (مدرسة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي)، وتأثير مجموعة الفكر الإمبراطوري الجديد، الذين وقفوا وراء بداية "الربيع الروسي" وضم شبه جزيرة القرم.
الواقع الطرفي في روسيا
ولكن في السياسة الخارجية لروسيا، يوجد نموذج ثاني - الواقع الطرفي، وهو يقترح أقصى تحقيق للمصالح الوطنية عبر الإندراج في النظام العالمي وتحسين وضع روسيا داخله. هذا النمط يأخذ المصالح الوطنية في الاعتبار، ولكنه لا يتحدى النظام العالمي. مثال على ذلك، استراتيجية تحالف السياسة الروسية مع الولايات المتحدة بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001، حين سعت روسيا لعرض حربها في الشيشان على أنها جزء من الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب، وبدأت في التعاون مع الولايات المتحدة في أفغانستان، والمساهمة في فتح القواعد العسكرية الأمريكية في آسيا الوسطى. وبذلك تسعى روسيا لتحسين مكانتها في النظام العالمي، وذلك باستخدام أزمة داخلية، حيث تتتعامل بنشاط وبشكل عسكري، ولكن، في الوقت نفسه، بشكل ملتزم. الواقع الطرفي في روسيا يميل إليه معظم موظفو وزارة الشؤون الخارجية، وجزء من قوات الأمن، ومعظم الأوساط العلمية والخبراء، وممثلين عن "الطابور السادس" ذو التوجه الغربي في السلطة.
خصوصية الواقع الطرفي الروسي، تظهر في  استغلال المبادرات بروح من الواقع العالمي. منذ عام 2008، روسيا نفسها تخلق الأزمات، التي يتم استخدام التغلب عليها، للحصول على مكان أكثر ملاءمة في العالم الموالي لأمريكا. وفي الوقت الذي يصطدم فيه التوسع الروسي بمقاومة القوة المهيمنة العالمية، والذي يعني التغلب عليه،تحديا للنظام، فإنه يذهب فورا إلى المفاوضات. بشكل يحير المجتمع الذي يعتقد مرة أخرى أن "هذه هي معركتنا الأخيرة والحاسمة"، ولكنه يجلب نتائج معينة.
دعونا نرى ما حققته روسيا في سورية.
ما الذي حققته روسيا في سورية
عززت روسيا بشكل كبير موقف نظام بشار الأسد الحليف. ففي لحظة دخول روسيا الحرب كان هناك تهديد مباشر بسقوط دمشق. وكان الجيش السوري يواجه خطر الهزيمة الكاملة، على الرغم من المساعدة الكبيرة من قبل إيران. والآن تم صد العدو عن العاصمة. وزاد بشكل ملحوظ نطاق سيطرة الحكومة السورية الرسمية.
روسيا اختبرت في سورية، أحدث الأسلحة وتخلصت من الأسلحة القديمة. ترقية أسلحة الجيش الروسي، شغّلت مؤسسات الانتاج الدفاعي،  ما ساعد على خلفية الأزمة الاقتصادية بشكل كبير هذا القطاع والاقتصاد الروسي ككل.
وقد أثبتت القوات الروسية القدرة على تنفيذ عمليات جوية خارج البلاد. تم استخدام تكتيكات القتال في ظروف جديدة. وحسّن المستشارون العسكريون الروس خبراتهم في المعارك البرية.
وقد أظهرت روسيا للغرب أن لديها إرادة سياسية وقدرة تقنية لاستخدام القوة العسكرية ليس فقط خارج البلاد، ولكن أيضا في المنطقة الشمالية الشرقية من أوراسيا. حيث كان الإطلاق المذهل والمكلف للصواريخ من بحر قزوين، واستخدام الطيران الاستراتيجي في العملية السورية، لعرض ذلك.
اكتسبت روسيا قواعد عسكرية كاملة في سورية، لا تسعى للخروج منها: في طرطوس (سلاح البحرية) وباللاذقية (سلاح الجو). كما ظل المستشارون العسكريون الروس والقوات الخاصة والشركات العسكرية الخاصة.
في الوقت نفسه، روسيا تقريبا فقدت تركيا كقوة صديقة، والخروج من سورية قد يؤدي إلى تدهور العلاقات مع إيران، والتي تم تعزيزها خلال الحملة العسكرية المشتركة.
اختيار الاستراتيجية الطرفية
رغم النتائج المهمة التي حققتها روسيا، فقد واجهت مقاومة قوية من الغرب، كما كان من قبل في أوكرانيا، وقبل ذلك في جورجيا. والوضع في سورية، كان بحاجة إما لمواصلة الحرب أو الخروج من الصراع. استمرار الحرب يعني زيادة القوات الجوية الروسية في سورية، واحتمال بدء عملية برية، ووجود احتمال كبير لنزاع عسكري مع تركيا، مع نتائج غير متوقعة، وتعزيز ضغط العقوبات الأمريكية وتزويد الإرهابيين بالأسلحة الأمريكية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف.
استمرار الحرب في سورية كان سيؤدي، بالتالي، إلى صراع عالمي مع الولايات المتحدة، من شأنه أن يفسر على أنه محاولة ليس فقط لاحتلال مكانة أعلى في النظام القائم، ولكن كتهيئة لإنشاء نظام جديد. تصرفات روسيا توضح أنها منذ البداية لم تحدد لنفسها مثل هذه المهمة، أو أن أولئك الذين وضعوا لنفسهم هذه الأهداف العالمية المناهضة للغرب، لم يكن لديهم "الوزن الكافي" في القيادة الروسية. وهذا هو السبب في دخول روسيا لعملية التفاوض، والضغط على دمشق، التي كانت قد استعدت للقتال بدعم من روسيا حتى النهاية. روسيا لا تترك بشار الأسد، ولكنها تضعف دعمها له، ليصبح أكثر استيعابا وتحفزا لعملية التفاوض، التي يلوح في أفقها فدرلة، أي تجزئة سورية.
من الواضح، ان روسيا تعتقد انها اتفقت أو تتفق مع الولايات المتحدة وتركيا على تقسيم مناطق النفوذ في سورية.وحملة إلغاء العقوبات ضد منظمي الرحلات السياحية في تركيا، تدل بشكل غير مباشر على هذا. حماس بروباغاند الكرملين التي تربط سورية وأوكرانيا، يشير إلى أن روسيا تريد الوصول إلى اتفاق من هذا النوع يتعلق بدونباس. والسؤال هو ما إذا كان الغرب مهتما بهذا السيناريو؟
الرد الغربي
من جهته، الغرب يبدو متخوفا من حقيقة أن روسيا على وشك كسر النظام العالمي احادي القطب بهيمنة  الولايات المتحدة. ويمكنه أن يوافق على اعتماد استراتيجية التكامل الروسي في النظام القائم عن طريق زيادة مكانة روسية. ومع ذلك، هناك خطر يتمثل في أن روسيا في مرحلة ما، قد تقرر مواصلة اللعب والتصعيد. لا ينبغي تجاهل الجغرافيا السياسية، روسيا قوة برية عظمى، وبالتالي فهي عرضة للميول الإمبراطورية التوسعية. في المراحل السابقة، هذه التنازلات لم توقف روسيا عن خطوات جذرية جديدة. والمساهمة حتى في النمو المعتدل للسياسة الخارجية الروسية، ليس بتاتا في في مصلحة الغرب. لذلك، يمكننا أن نفترض أن روسيا بعد تنازلاتها، لن تحصل على ما تريد. والغرب سيعزز الضغوط الخارجية على روسيا وسيحاول استخدام السخط الداخلي، بما في ذلك بين الوطنيين، لزعزعة الوضع داخل البلاد.
التوصل إلى حل وسط على مستوى الكلام، لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر سوف يلتزم فعلا به. وهذا ما يتضح أيضا من تجربة ميخائيل غورباتشوف، الذي حاول دون جدوى بناء نظام الدولة الديمقراطي الليبرالي في الاتحاد السوفياتي، حيث كانت الهيمنة الطبيعية للولايات المتحدة عبر الحلول الوسط. ونتيجة لذلك، كما نذكر، انهار الاتحاد السوفيتي.
خطوات روسيا التالية
ردا على العراقيل التي وضعها الغرب في سورية، روسيا ستواصل محاولة خلق أزمات وتحقيق الاستفادة منها. لذلك، علينا ألا نستبعد إجراءات روسية جديدة في أوكرانيا وفي المناطق غير المستقرة الأخرى من العالم، بما في ذلك المناطق المعتادة للجيوسياسية الروسية مثل أفغانستان، وكذلك في كوريا الشمالية. وأخيرا، روسيا قد تحاول حسب نمط الواقع الطرفي، اتخاذ جانب الغرب، في انتظار انه سيلين ويقدم تنازلات في قضايا أخرى. ومن المرجح جدا اللعب في هذه اللعبة في مناطق أخرى.
ومع ذلك، فإن الحفاظ على النظام واختبار متانته بشكل دائم ومتتابع، أمران غير متوافقين. مع كل خطوة يصبح الحفاظ على التوازن أكثر صعوبة. تزداد التكاليف: العقوبات، الحلفاء المتروكين، والأعداء الجدد، والضغط من قبل الطابورين الخامس والسادس. عاجلا أم آجلا، سوف تضطر روسيا للاختيار بين البقاء في إطار النظام العالمي، أو محاولة إعادة اللعبة. وفي عالم خال من الهيمنة العالمية الأمريكية، لن تلعب العقوبات ولا الدول التابعة لأمريكا أي دور. البديل هو التخلي عن طموحاتها العالمية والاستسلام للمنتصر.
الكسندربوفدونوف، كبير المحللين في مركز "Katechon".