استبدال "صورة العدو" في مولدوفا

30.03.2016

شهدت العاصمة المولدوفية كيشيناو، يوم الأحد 27 آذار/مارس، بمناسبة الذكرى الـ 98 لدخول بيسارابيا في الدولة الرومانية، مسيرة احتفالية لعدد من المنظمات الشبابية، تطالب بتوحيد جمهورية مولدوفا مع رومانيا. وهذا الحدث، وصفته ما يسمى "المعارضة اليسارية" بمحاولة "القضاء على دولة مولدوفا"، مؤكدين على ضرورة "صد" هذه المظاهرات.
وبهذا، فإن الجهود المبذولة لتحرير البلاد من نظام حكم القلة الثرية، في أحسن الأحوال، تنحى إلى الخلفية. وهذا ما سعت إليه السلطة فعلا. فبدلا من القلة الثرية، أصبح الوحدويون هم "العدو الرئيسي للشعب"، وهذا على الرغم من حقيقة أن "الوحدويون" أيضا يعارضون للحكومة الحالية. ونتيجة لذلك، فإن "الحملة المعادية للوحدويين"  قد تكون انتحارية بالنسبة للمعارضة بأكملها.
ما الذي دفع معارضي الحكومة لتغيير خطابهم السياسي بشكل ملحوظ، والتخلي عن المواجهة مع الحكومة؟ ما الذي تخفيه "موجة" الحركات الوحدوية الشبابية الجديدة؟
أولا، رومانيا تشهد هذا العام، انتخابات محلية وبرلمانية، ولعب "ورقة الوحدوية" في بوخارست، مفيد لبعض الجماعات السياسية التي تحاول التميز والظهور.
أولا وقبل كل شيء، نحن نتحدث عن الرئيس السابق ترايان باسيسكو وعن حزبه "الحركة الشعبية"، المعروف بتصريحاته المشينة. وكالعادة، الحملة الرامية لتعزيز العمل الوحدوي، لا تطرح توحيد مولدوفا ورومانيا، بل على الأرجح، هي فرصة أخرى للحصول على المال، من قبل بعض أجهزة الدولة الرومانية التي تدير "الاتجاه المولدوفي". ومثل هذه الإجراءات في وسط كيشيناو، هي مجرد ذريعة أخرى لبوخارست للحصول على الأموال والدعم السياسي، في حين أن المهمة الفعلية "للوحدة" ليست على جدول أعمالها. وفقا للنكتة السوفيتية "الأهم- هو خلق مظهر الحركة".
في نفس الوقت، الخطاب الوحدوي تدعمه بنشاط وسائل الإعلام المؤيدة للسلطة، التابعة للملياردير فلاديمير بلاخاتنيوك، الذي يدير جزءا ضخما من الشبكة الإعلامية بالبلاد، بما في ذلك قنوات روسية. ورغم أنه من الصعب الاشتباه بأن الملياردير المولدوفي ذي توجه "وحدوي". هذا الشخص عملي جدا، وبعيد عن الخطوات المراهقة وغير المحسوبة.
"تعاطف" النظام الحاكم مع فكرة الوحدة، يشرحه، الوضع الاجتماعي والسياسي الراهن في مولدوفا. في نهاية عام 2014، وبداية عام 2015، احتجاجات حاشدة جمعت أنصار رومانيا والمؤيدين لأوروبا (الذين تم تحديدهم كـ"يمينيين")، وأنصار روسيا (الذين يتم تحديدهم تقليديا بأنهم "يساريين"). هذا الاتحاد القوي يمكن أن يعرض النظام القائم لخطر جدي.
ولم يبق أمام السلطات أي خيار، سوى تأجيج الصراعات الأيديولوجية الاصطناعية وتقسيم المعارضة إلى "وحدويين" و"قوميين" عشية الانتخابات الرئاسية المباشرة، والتي، بالمناسبة، نجحت أيضا في تقسيم صفوف المعارضة (بما في ذلك "الجناح الموالي لروسيا").
وبطبيعة الحال، قصة "خطر امتصاص مولدوفا من قبل رومانيا" ليست أكثر من أسطورة وقصة رعب سياسية لا أساس لها.
داخل الاتحاد الأوروبي، لا تزال رومانيا دولة إشكالية، مستويات الفقر والفساد فيها وعدم القدرة على توفير الأمن على الحدود، تسجل أعلى المعدلات في أوروبا.
هذا ما يقوله ممثلو الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية التي تمنع دخول رومانيا الى منطقة شنغن. أي مبادرة أو حتى بيان من بوخارست حول فكرة الدخول "الماكر" لأراضي جمهورية مولدوفا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بتجاهل آراء بروكسل، من خلال الاندماج مع رومانيا، يمكن اعتباره تقويضا لأمن الاتحاد الأوروبي.
هذا الأمر تفهمه القيادة الرومانية جيدا. الرئيس كلاوس يوهانيس ورئيس الوزراء داتشيان تشولوس، كل مرة، يحاولان النأي بنفسهما عن فكرة العمل الوحدوي.
المحلل الأمريكي روبرت كابلان في مقابلة مع وكالة الانباء الرومانية Agerpres، حذر السلطات الرومانية من مداعبة فكرة العمل الوحدوي، لأنها تشكل تهديدا للأمن الإقليمي.
في سياق المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الداخلية المعقدة، الحديث بجدية اليوم، عن قدرات رومانيا لتنفيذ "مشروع توحيدي" أمر غير ممكن.
88%  من الاقتصاد الروماني، في يد رأس المال الأجنبي، و40٪ من الموارد الزراعية في أيدي الأجانب، ومستوى الفقر وتسرب العمالة الماهرة إلى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، ينمو بسرعة كل عام.
رومانيا لا تزال مصدرا للمواد الخام، مصدرا للعمالة الرخيصة وسوقا لبيع بضائع الدول الغربية، يتم اتخاذ القرارات السياسية بناء على تعليمات من السفراء الأجانب. في الوقت نفسه، في المجال السياسي والعام، لا توجد رؤية واضحة أو مشروع لاخراج البلاد من المأزق الاجتماعي والاقتصادي في الحدود الحالية. في مثل هذه الظروف، من السخف الحديث عن رومانيا كدولة ذات خطط توسعية.
في الوقت نفسه، نحن نعلم أن فكرة مد الحدود الغربية للاتحاد الأوروبي حتى منطقة دنيستر (حيث توجد أيضا مشكلة بريدنيستروفيا التي لم تحل بعد) يعتبر سلبيا للغاية في العواصم الأوروبية.
يتم النظر لفكرة "الوحدة" سلبا من قبل الغالبية العظمى من مواطني مولدوفا. ووفقا لأحدث استطلاعات الرأي، "ضد" الاتحاد يقف 63٪ من المستطلعين، و "مع" - 23٪. أيضا، أيضا فكرة الانضمام للناتو لا تلقى حماسا من قبل مواطني مولدوفا.
وفقا لاستطلاعات الرأي العام لشهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015، يؤيد 16٪ انضمام مولدوفا للناتو، ويلتزم 52٪ ببقاء البلاد في موقف محايد، في حين أن  11% يؤيدون الانضمام إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي.
وعلى الرغم من المسيرات العديدة التي أجرتها  منظمات شبابية وحدوية غير حكومية، لا تزال فكرة الوحدة السياسية، ظاهرة هامشية في جمهورية مولدوفا. الحزب الليبرالي، هو الحزب البرلماني الوحيد الذي استخدم الوحدة كشعار سياسي. في الوقت نفسه، هذا الحزب لديه أسهم تأييد منخفضة للغاية. وفي حال تم إجراء الانتخابات البرلمانية، أغلب الظن أنه سوف يختفي من الساحة السياسية. المشاريع اليمينية الجديدة تحاول بناء الخطاب السياسي على مكافحة الفساد، مع إيلاء اهتمام أقل بالقضايا الجيوسياسية. وبهذا، على الأرجح، فإن الوحدويين المولدوفيين لن يكونوا ممثلين في البرلمان المقبل.
شبح "الوحدوية" ليس أكثر من مجرد أداة في الصراع السياسي الداخلي في رومانيا ومولدوفا، وليس مشروعا جيوسياسيا خطيرا. الخطر الوحيد على وجود جمهورية مولدوفا، يبقى فقدان الشرعية المستمر للسلطة، وتشويه سمعتها وتقويض عمل مؤسسات الدولة في ظروف استخدام أدوات السياسة من قبل القلة الثرية، التي فقدت كل مصداقية من قبل الجمهور. الدعوة للوقوف "مع" أو "ضد" العمل الوحدوي، أداة ملائمة لتقسيم المجتمع، وتدمير المعارضة والحفاظ على وضع خضوع جميع فروع السلطة لدائرة ضيقة من الأشخاص، يسمى "الأوليغارشية".
لذلك، فإن الصورة على النحو التالي. حكومة فاسدة لم تعد قادرة على الحفاظ على نفوذها في المجتمع، معارضة طفولية ليست قادرة على الاستيلاء على السلطة. هذه هي المأساة السياسية لمولدوفا بأكملها.
في هذه الحالة، حتى "القوى العظمى" الغربية، وحتى رغم التحالف مع رومانيا، تبقى عاجزة عن فعل أي شيء. وهذا يعني، على حد تعبير شخصية معروفة من السينما السوفياتية: انقاذ الغريق – يقوم به فقط الغريق.
الشرط الوحيد لتغيير السلطة في مولدوفا، هو جمع "الوحدويين" اليساريين واليمينيين و"القوميين" لتشكيل جبهة موحدة ضد السلطة الفاسدة، ورفض أي نقاش حول المواضيع الجيوسياسية، التي تثير فقط المتاعب التي لا نهاية لها وغير المجدية.
من المستفيد من جرّ المجتمع المولدوفي لصراعات إصطناعية، لا يمكن حلها؟ الجواب بسيط - السلطات. لماذا؟ من أجل البقاء في السلطة عبر استخدام الحرب السياسية بين "الوحدويين" والمعارضين للوحدة، من مبدأ "فرق تسد".