وليام موريس... الثوري المحافظ

25.03.2016

ولد وليام موريس في 24 آذار  1834  في والتهامستاو في انكلترا, وهو رسام  بريطاني وشاعر وناشط سياسي اشتراكي وصاحب شركة صناعية. استلم موريس قيادة الجيل الثاني من الفنانين لما يسمى حركة "ماقبل الروفائيلية" الذين حاولوا العودة إلى قيم العصور الوسطى للوقوف في وجه التقدميين، وفي وجه مناخ التشدد الذي شهدته إنكلترا في عصر الملكة فيكتوريا.
حركة "ما قبل الرفائيلية"  ضد العالم الحديث
لقد كانت السمة البارزة لحركة "ما قبل الروفائيلية" أنها لم تكن في الأصل مجرد ظاهرة متشكلة من الفنون. منظر الحركة الساخر جون روسكين برر أهداف الحركة التي كانت في رأيه إحياء البعد الروحي في الإنسان والنقاء الأخلاقي، وهو يقدم تعبيرا عن القيم والمثل العليا للشيء المقدس من خلال التوجه والاهتمام بالطبيعة مع رفض الآليات والنماذج شديدة العقلانية التي تقدمها الحركة التنويرية. التوجه الجمالي نحو المثل العليا للماضي كانت مرتبطة في رأي روسكين, بالانتباه لمشاكل المجتمع وانتقاد الرأسمالية ودعم الأفكار الاجتماعية وحماية حقوق العمال.
التوجه الجمالي نحو المثل العليا في الماضي كانت مجتمعة، في رأي روسكين، مع الانتباه إلى مشاكل المجتمع، ونقد الرأسمالية ودعم الأفكار الاشتراكية، وحماية حقوق العمال. في الكتاب الأخير، يوضح روسكين تصوره عن الاشتراكية المسيحية.
ضد التكنولوجيا
هذه السمات هي علامة مميزة لجميع المفكرين البريطانيين الذين يمكن أن نشير إليهم كجزء من نموذج "الثورة المحافظة"، وهو خط  يمثل التوجه نحو المثل ما قبل الحداثة مع ممارسة النقد الاجتماعي ورفض الرأسمالية واحتضان الفكر الراديكالي الثوري. إن نظرتهم للكون تشكلت تحت تأثير الطبيعة المزدوجة لبريطانيا العظمى نفسها: سلتيك (الشعوب التي تنتمي إلى اندو-جرمانية) وجرمانيون في الوقت نفسه، مرة يتوضعون على حافة العالم الأوروبي، حيث تعودوا لفترات طويلة على العادات والتقاليد القديمة الأوروبية ومرة وبعد وقت لاحق يصبحون مركز التحديث والتعليم والليبرالية والثورة الصناعية.
بالنسبة لبقية أوروبا، كان مفهوم  التكنولوجيا والتصنيع بمثابة كارثة على الروح الأوروبية إلا في بريطانيا حتى القرن العشرين (شبنغلر، هايدغر). حيث أصبحت هذه الفكرة تتكامل مع التقاليد الثورية المحافظة في القرن التاسع عشر. كانت بريطانيا أول من شهد الطعم المر للحداثة، وهذا ما تسبب في ظهور حركة عمال النسيج البريطانية والحركة المناهضة للتكنولوجيا من قبل الروفائيلين  ولاحقاً اعتبار التكنولوجيا  كشكل من أشكال السحر الأسود في عالم تولكين.
في أعمال موريس كان هذا الاتجاه واضحا، فهو مثل روسكين وتوماس كارليل من قبل ، فمن جهة أظهر اهتماما في مجالات الأدب والفن، ولكنه انتقد أيضا النظام الرأسمالي وإنتاج الآلات الصناعية. وهناك ميزة أخرى لوليام موريس وهي تعبر ربطه بين مفاهيم المحافظة والاشتراكية مع المثل الأعلى للجمال في العصور الوسطى ومع قيم العدالة الاجتماعية. ودمج الفن والشعر مع النشاط السياسي والاقتصادي.
المثالية الاقتصادية عند موريس
اعتبر موريس لفترة طويلة الزعيم غير الرسمي ل"حركة الفنون والحرف". وكان هدفه الرئيس هو الجمع بين الجمال والعمل، والتغلب على الإنتاج الصناعي الذي لا يعتمد على الإنسان والذي يؤدي إلى تبديد شخصية المنتج وكذلك المستهلك لهذه السلع  والتحول إلى الجمالية وحتى تقديس الإنتاج. كان موريس مطلعا على أعمال الفيلسوف الاشتراكي كارل ماركس، لكنه قدم حلوله لمشكلة نقل وسائل الملكية  بالعودة إلى العمل اليدوي وإعادة تقديس للإنتاج.
وتضمنت الأعمال الفكرية لويليام موريس الرواية الخيالية، "أخبار  ليست من أي مكان"، ومقالات في الصحيفة الاشتراكية التي أسسها، وفي عمله في شركته "موريس، مارشال، فولكنر وشركاه"، دعم موريس نسخة الاشتراكية التي أطلق عليها "الثورة المحافظة". مركزا على المثل العليا والمؤسسات في العصور الوسطى، بما في ذلك المثل العليا في الجمال والأخلاق، التي ربطها مع الاشتراكية وحتى الأفكار الفوضوية، وكان ينظر إلى الاشتراكية القادمة كمجتمع تحل فيه الأيدي العاملة بدلا من الآلات بشكل كامل، وأن الجمعيات والتعاونيات والنقابات هي أساس النظام الاجتماعي والسياسي. وسيكون هناك انسجام في العلاقات بين الإنسان والطبيعة، وسيختفي الجشع وكذلك الملكية الخاصة، المثل الروحانية الأعلى سوف تسود في المجتمع.
ومن الجدير بالذكر أن موريس لم يكتف بوصف المفاهيم المثالية فقط، ولكن أيضا وضع أفكاره موضع التنفيذ. ففي عام 1886، أسس شركة "موريس، مارشال، فولكنر وشركاه"، والتي عملت في مجال الفنون التطبيقية والديكورات. اعتمد الإنتاج فيها فقط على العمل اليدوي وتكنولوجيا قديمة من العصور الوسطى. كانت تدار ورش العمل من قبل تعاونيات العمال ويحصل العمال على أجر عادل. استمرت شركته حتى عام 1940، واستطاعت أن تصبح الشركة المصنعة الرائدة في أوروبا في مجال الفنون والحرف اليدوية.
تحول العمل في الفن والطقوس كان بديلا ثوريا ومحافظا على حد سواء. وبمثل هذه الطريقة، كان ينظر لمفهوم نشاط اليد العاملة في أوروبا حتى ظهور عصر الحداثة.
السياسة الخارجية من وجهة نظر موريس
منذ وقت مبكر، استوعب موريس مجال الفن تماما. ولكن في عام 1852، بعد أن اعترفت به  كلية اكستر أوكسفورد، وإلى جانب إدوارد برن جونز، قطع عهدا على إنشاء أخوية الفنانين من أجل تنفيذ "الحملة الصليبية والمقدسة ضد القرن الحالي والعصور الباردة القاسية".
في وقت لاحق، أصدر موريس البيان اليساري المتطرف للاتحاد الاشتراكي، داعيا إلى ثورة عمالية في جميع أنحاء العالم. وفي الوقت نفسه، كان هذا الفنان من أشد المعارضين للتصنيع. وفي كلتا الحالتين، وعلى الرغم من الاختلاف الجوهري في النماذج والطرق، إلا أن المضمون لا يزال هو نفسه، رفض العالم الحديث، الذي يتصف بروحه التجارية والرأسمالية.
لذلك كانت اتجاهات موريس الجيوسياسية ليست عرضية. فقد كان ضد الحداثة وبالتالي ضد الإمبريالية البريطانية والأطلسية، وروحها المتجسدة في النظام الرأسمالي البريطاني الغاشم، البعيد حقيقة عن "الديمقراطية" والعقلانية المزعومة من قبل البريطانيين في جميع أنحاء العالم. هذا هو السبب في أن بريطانيا العظمى دائما لجانب البحر ضد الأرض. وكان موريس في صف القديم والثورة ضد الحداثة، وعلى ضوء هذا، دعم موريس النضال من أجل استعادة استقلال أيرلندا، وتحدث في الدفاع عن السلاف في البلقان وقوة الأرض الروسية، ورفض الإمبريالية البريطانية في كل مكان الممكن.
ومن الجدير بالذكر أن النقطة الرئيسية التي أثرت في تحول فنان لديه شعور سيء ضد الحداثة في العالم إلى ناشط سياسي فعال كانت السياسة الخارجية للمملكة المتحدة في ذلك الوقت، فخلال فترة السنتين 1876-1878. برئاسة رئيس الوزراء دزرائيل، كانت بريطانيا تستعد لحرب جديدة مع روسيا. ووفقا لخطة ديزرائيل، كان على البريطانيون دعم الدولة العثمانية، على الرغم من الفظائع التي ارتكبتها بحق السلاف الجنوبيين.
اليوم، في النزاع بين روسيا وتركيا، تدعم القيادة البريطانية الأتراك المسلمين ضد روسيا لا شيء شخصي، ولا خلاف هويات،  فقط مصلحة النخب الرأسمالية. سابقا ضحت النخب البريطانية والأوروبية بالعبيد، في الوقت الحاضر يضحون بشعوبهم من أجل تقديم الدعم لإحياء الإمبراطورية العثمانية.
هذا ما دفع موريس عندما أصبح أمينا للجمعية المناهضة للحرب على الشرق لكتابة قصيدته الشهيرة المناهضة للحكومة " أيقظوا أبناء لندن"، والتي تنتهي بالرباعيات ذات الصلة بيومنا هذا:
أيقظوا أبناء لندن، فالساعة أصبحت متأخرة
شعاع الشمس يجلب النهار
لنرمي العار ونرمي الكذب
ونرمي الأتراك بعيدا
غونار بيورنسون