إعادة إحياء الدولة الحضارية: بوتين وشي والرئيس الراحل رئيسي

31.05.2024
كانت رؤية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي مفيدة في تعزيز العلاقة الاستراتيجية بين موسكو وبكين وطهران وتمهيد الطريق نحو إضفاء الطابع المؤسسي على التعددية القطبية.

وسط كل الحزن والأسى، لندخل في صلب الموضوع. إن إدارة عملية التكامل في أوراسيا والتوجّه نحو التعدّدية القطبية تتولّاها بشكل أساسي ثلاث جهات فاعلة رئيسية: روسيا والصين وإيران. وليس من قبيل الصدفة أن تكون هذه أكبر ثلاثة "تهديدات وجودية" للقوة المهيمنة.

في العاشرة من مساء الأحد الماضي في موسكو، دعا الرئيس بوتين السفير الإيراني لدى روسيا، كاظم جلالي، ليكون على الطاولة في اجتماع طارئ لنخبة فريق الدفاع الروسي. وتجاوز النقاش "التحطّم العرضي" ليصل إلى احتمال إسقاط المروحيّة الرئاسية الإيرانية. في الوقت الحالي، تؤكّد المستويات العليا في طهران فقط الهبوط الاضطراري للمروحية الأميركية الصنع القديمة من طراز Bell 212 بسبب الضباب الكثيف.

وسيكون هناك، بالطبع، تحقيق جدي. لدينا ثلاث طائرات هليكوبتر تحلّق على التوالي. ثم تختفي إحداها فجأة. لا استغاثة. إذا كان هذا بسبب "الظروف الضبابية"، فكيف تمكّنت الاثنان الأخريان من النجاة؟

لنعد إلى طاولة ليلة الأحد في موسكو. كان الجميع هناك: وزير الدفاع بيلوسوف؛ سكرتير مجلس الأمن شويغو؛ رئيس الأركان العامة غيراسيموف؛ وزير الطوارئ كورينكوف؛ المساعد الخاص للرئيس ليفيتين.

الرسالة الرئيسية هي أن روسيا ستحمي ظهر إيران، وأنها تدعم تمامًا استقرار واستمرارية الحكومة في إيران، وهو الأمر الذي يضمنه الدستور الإيراني بالفعل.

وبما أننا غارقون الآن في حال حرب هجينة شاملة، تكاد تكون ساخنة في معظم أنحاء الكوكب، فإن الدور الذي تلعبه الأمم الحضارية الثلاث في تشكيل نظام جديد للعلاقات الدولية لا يمكن أن يكون أكثر وضوحًا. فهي مرتبطة بالفعل بشراكات استراتيجية ثنائية وشاملة؛ وتشترك في عضوية كل من مجموعة "بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون؛ وتم الكشف في قمة بوتين - شي الحاسمة في بكين الأسبوع الماضي عن طريقة عملها بالكامل لتكون موضع درس من الأغلبية العالمية. الفكرة الرئيسية أن أيًا من الدول الثلاث لن تسمح بزعزعة استقرار الشركاء الآخرين من قبل المشتبه بهم المعتادين.

سجل لامع

ترك الرئيس رئيسي ووزير الخارجية عبد اللهيان سجلًا لامعًا.

تحت قيادتهما، أصبحت إيران عضوًا في مجموعة "بريكس"، وعضوًا كاملًا في منظمة شنغهاي للتعاون، ومساهمًا رئيسيًا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU). وهذه المنظّمات الثلاث الرئيسية المتعدّدة الأطراف التي تشكّل الطريق نحو التعدّدية القطبية.

كما وصلت الدبلوماسية الإيرانية الجديدة إلى لاعبين رئيسيين في العالم العربي وإفريقيا، من السعودية والكويت ومصر إلى ليبيا والسودان وجيبوتي. وللمرة الأولى على الإطلاق، نفذت طهران عملية ضخمة ومعقدة ضد إسرائيل، بإطلاق وابل من المسيرات والصواريخ من الأراضي الإيرانية.

كذلك، بلغت العلاقات الإيرانية - الروسية مستوى أعلى، سواء في التجارة أو في التعاون العسكري والسياسي. قبل عامين، اتفق بوتين ورئيسي على معاهدة ثنائية شاملة، باتت مسوّدتها الأساسية جاهزة. وسيؤدّي ذلك إلى مزيد من توسيع الشراكة. وكما أخبرني أحد أعضاء الوفد الإيراني في موسكو العام الماضي، عندما سأل الروس عما يمكن أن يكون مطروحًا على الطاولة، أجاب الايرانيون:"يمكنكم أن تطلبوا منا أي شيء". والعكس صحيح.

لذا تعمل موسكو وطهران على معالجة الانحرافات المتشابكة لاستراتيجية "التوجه شرقًا" التي اتبعها رئيسي جنبًا إلى جنب مع استراتيجية "المحور الآسيوي" التي اعتمدتها روسيا سابقًا.

وينعقد اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون يومي الثلاثاء والأربعاء في أستانا، استعدادًا للقمة المقرّرة في تموز/يوليو، عندما ستنال بيلاروسيا العضوية الكاملة. كما وافق مجلس الوزراء السعودي – وهو أمر أساسي – على قرار انضمام الرياض إلى المنظمة، ربما في العام المقبل.

استمرارية حكومة إيران ستُمثَّل بالكامل في أستانا من خلال وزير الخارجية المؤقت علي باقري كني، الذي كان نائبًا لعبد اللهيان. ومن المحتّم أن ينضم فورًا إلى المناقشات إلى جانب الروسي سيرغي لافروف والصيني وانغ يي لمناقشة المسار المتعدد الأقطاب والطبقات.

بيان مشترك فائق السرعة

في قمة بوتين وشي التاريخية في بكين الأسبوع الماضي، تم عرض ميثاق شامل لما يستلزمه النظام الجديد، من خلال بيان مشترك مذهل مكوّن من 10 فصول و12 ألف كلمة، تكررت فيها كلمة "تعاون" ما لا يقل عن 130 مرة.

يمكن بحق تفسير هذه الوثيقة بأنها بيان مشترك تفوق سرعته سرعة الصوت ينسف بشكل شامل "النظام الدولي القائم على القواعد" المصطنع.

ويبرز في البيان هذا القسم بشكل خاص:

"لجميع البلدان الحق في اختيار نماذجها التنموية وأنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل مستقل بناءً على ظروفها الوطنية وإرادة شعوبها، وأن معارضة التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، والعقوبات الأحادية و'الولاية القضائية الممتدة' من دون أساس في القانون الدولي أو تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومعارضة رسم الخطوط الأيديولوجية. وأشار الجانبان إلى أن الاستعمار الجديد والهيمنة يتعارضان تمامًا مع اتجاهات العصر، ودعوَا إلى الحوار المتكافئ، وتطوير الشراكات، وتعزيز التبادلات والتعلم المتبادل بين الحضارات".

إيران، التي فُرضت عليها عقوبات حتى الموت منذ أكثر من أربعة عقود، تتعلّم بشكل مباشر من الصين وروسيا حول جهودهما لتدمير سرديات "فك الارتباط" فضلًا عن تأثير تسونامي العقوبات الغربية على روسيا.

على سبيل المثال، تُستخدم الآن مجموعة من ممرات القطارات بين الصين وأوروبا في الغالب لشحن البضائع الصينية إلى آسيا الوسطى، ثم إعادة تصديرها إلى روسيا. مع ذلك، وفي خضم هذا الازدهار التجاري، تتزايد الاختناقات اللوجستية أيضًا: يرفض كل ميناء أوروبي تقريبًا التعامل مع أي شحنات من روسيا أو إليها. وتواجه أكبر الموانئ الروسية مشاكل: لا يملك فلاديفوستوك قدرة على استيعاب سفن الشحن الكبيرة، في حين أن سان بطرسبرغ بعيد جداً عن الصين.

يركز الفصل الثالث من الإعلان الروسي - الصيني المشترك بشكل خاص على "التعاون في مجال الموانئ والنقل، بما في ذلك تطوير مزيد من الطرق اللوجستية"، فضلًا عن تعميق التعاون المالي، "بما في ذلك من خلال زيادة حصة العملة المحلية في الخدمات المالية"، وزيادة التعاون "بما في ذلك في المجالات الاستراتيجية مثل تصنيع السيارات والقوارب وصهر المعادن والكيماويات".

كل هذا ينطبق على التعاون الروسي - الإيراني، على سبيل المثال، في تبسيط ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، خصوصًا من أستراخان في بحر قزوين إلى الموانئ الإيرانية ثم الطرق المؤدية إلى الخليج الفارسي.

في وقت سابق، أشار علي باقري كني إلى أنه بفضل "الموقع الجيوسياسي الاستثنائي" لإيران الذي يمتد إلى غرب آسيا والخليج الفارسي وبحر قزوين وأوراسيا الأوسع، يمكن لإيران أن تساهم في "النمو الاقتصادي والإمكانات الاقتصادية" لجميع اللاعبين الإقليميين.

وقد شملت زيارة بوتين للصين الأسبوع الماضي مدينة هاربين الشمالية الشرقية التي تعد مركز ثقل، وتتمتّع بروابط جغرافية وتاريخية قوية مع روسيا. واجتذب معرض "الصين -روسيا" العملاق أكثر من 5000 شركة تجارية. وليس من المستبعد تصور إقامة معرض "روسيا – إيران" ناجح بالقدر نفسه قريباً في ميناء على بحر قزوين.

الاستثمار في مشروع بروميثي

ما يربط روسيا والصين وإيران هو أولًا، وقبل كل شيء، إطار ناشئ صمّمته دول حضارية ذات سيادة. والرحيل المشؤوم للرئيس رئيسي لن يغيّر الصورة الكبيرة.

نحن في منتصف عملية طويلة ضد بيئة مهيأة لعقود من الألم والخوف. واكتسبت هذه العملية زخمًا هائلًا في السنوات القليلة الماضية، بدءًا من الإطلاق الرسمي لمبادرة الحزام والطريق عام 2013.

طرق الحرير الجديدة هي مشروع بروميثيني ذو طابع جيوسياسي بقدر ما هو اقتصادي. ثم، بالتوازي، جاء التوسّع التدريجي لدور منظمة شنغهاي للتعاون كآلية للتعاون الاقتصادي.

مرة أخرى: إيران عضو بارز في مبادرة الحزام والطريق ومنظمة شنغهاي للتعاون و"بريكس".

بعد أحداث ميدان عام 2014، بدأت الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين تتسارع بالفعل. وسرعان ما تمكّنت إيران من بيع كل إنتاجها النفطي تقريبًا إلى الصين، بحماية المظلة النووية لبكين.

بعد ذلك، شهد العالم إهانة الإمبراطورية في أفغانستان، والعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا في شباط/فبراير 2022، وتوسع مجموعة "بريكس".

قال شي لبوتين في موسكو، خلال زيارته التي لا تنسى في ربيع عام 2023، إن "التغييرات التي لم نشهدها منذ مئة عام" ستحدث؛ ويجب أن يكون كلاهما على رأس التغييرات الحتمية القادمة.

وهذا كان بالضبط جوهر مناقشاتهما الأسبوع الماضي في بكين.

قصف إيران بدقة متناهية للأراضي الإسرائيلية التي تتمتع بحماية فائقة – ردًا على هجوم إرهابي على قنصليتها في دولة ثالثة - أرسل رسالة واضحة غيّرت قواعد اللعبة، وفهمتها الأغلبية العالمية تمامًا: قوة الهيمنة الغربية في غرب آسيا تقترب من نهايتها.

خسارة المساحة الساحلية لأوراسيا تعد لعنة تامة بالنسبة للجغرافيا السياسية الأميركية، كما ورد في تصورات سبيكمان. ويجب أن تعود إلى سيطرتهم لأنهم يعرفون مدى أهميتها.

مع ذلك فإن ملاك التاريخ يشير إلى اتجاه جديد: إلى الصين وروسيا وإيران باعتبارها السيادات الطبيعية التي تشكل إعادة ظهور قلب العالم.

باختصار، تمتلك هذه السيادات الثلاث المستوى المعرفي، والإرادة، والإبداع، ومهارات التنظيم، والرؤية وأدوات القوة لتحقيق مشروع بروميثي حقيقي. وقد يبدو الأمر كمعجزة، لكن الحقيقة أن القيادة الحالية، في هذه الدول الثلاث، تتشارك في هذا الفهم والمسعى.

على سبيل المثال، التكهنات في إيران لخلافة رئيسي - عبداللهيان تشير إلى إمكان انتخاب المفاوض النووي السابق سعيد جليلي رئيسًا، وتعيين باقري كني وزيرًا للخارجية.

على سبيل المثال، ما الذي قد يكون أكثر إغراءً من احتمال أن يصبح المفاوض النووي السابق سعيد جليلي رئيسًا إيرانيًا مقبلًا ينضم إلى وزير الخارجية الجديد باقري كني؟ لقد تم تصوير جليلي، في الماضي، على أنه "متشدّد" للغاية بالنسبة للأذواق الغربية، ولكن في الواقع، لم يعد الغرب مهمًا على هذه الشواطئ.

https://thecradle.co