ما هو جوهر الصراع السعودي- التركي؟

13.02.2019

يعود تأسيس المملكة العربية السعودية التي يعرفها العالم اليوم، إلى العام 1932 على يد الملك عبد العزيز آل سعود. لكن ما لا يعرفه كثيرون هو أنّ هذه المملكة هي الدولة الثالثة لآل سعود؛ الأولى (1747-1818) والثانية (1818-1891)، وكلا الدولتان تم إسقاطهما عسكرياً على يد الأتراك العثمانيين، الأولى بشكل مباشر، والثانية بشكل غير مباشر عبر دعم الأتراك لآل الرشيد منافسي آل سعود.

ما يعرف الآن بأنه صراع بين اتجاهين مختلفين ضمن الإسلام السني (الاتجاه الوهابي المدعوم سعودياً بمقابل الاتجاه الإخواني المدعوم تركياً) يعود بجذوره الأولى إلى أواسط القرن الثامن عشر حين ظهرت الدعوة الدينية لمحمد بن عبد الوهاب في الدرعية (إمارة تاريخية في السعودية تعتبر مهد المملكة). وهذه الدعوة تم استخدامها منذ البداية، كغطاء أيديولوجي من قبل محمد بن سعود، أمير الدرعية ومؤسس الأسرة السعودية، للاستقلال عن السيطرة العثمانية...

يمكن لهذه الخلفية التاريخية أن تفسر جانباً واحداً من الجوانب العديدة التي ينطوي عليها ما تم تسريبه على لسان MBS في آذار 2018 (أي قبل أزمة خاشقجي بسبعة أشهر) حين وصف تركيا بأنها أحد أضلاع «مثلث الشر»، إلى جانب إيران والجماعات الإرهابية، ولكنها بالتأكيد لا تكفي لفهم جوهر الصراع الراهن بين السعودية وتركيا. ونزعم أنّ فهم هذا الصراع، وتقديم مقاربات علمية قدر الإمكان لمآلاته، هو أمر شديد الأهمية، ليس لمستقبل الشرق الأوسط فحسب، بل ولمستقبل المشروع الأوراسي، ولمستقبل العالم ككل، تالياً!

 

ملفات وساحات ساخنة

إنّ مجرد محاولة تعداد الملفات والساحات التي يجري الصراع السعودي التركي العلني أو شبه العلني ضمنها، يكفي لتكوين تصور أولي عن مدى عمق وخطورة الصراع الجاري؛ على سطح الظاهرة يمكن أن نرى التبرير الأيديولوجي (وهابية ضد إخوانية) والذي يمتد لتغطية ساحات عديدة للصراع البيني، وكذلك يمكن أن نرى قضية مقتل خاشقجي في سفارة بلاده في تركيا مطلع أكتوبر 2018، والتي شكلت تفاعلاتها وتصريحات الجانبين حولها خلال الأشهر الماضية، مقياساً لحرارة التوتر بين الجانبين.

أعمق من السطح قليلاً، نجد صراعاً واضحاً في كل من سورية، العراق، قطر، فلسطين، ليبيا، وغيرها... وعلى الرغم من أهمية كل ملف من هذه الملفات، إلا أنّنا سنركز على الملف السوري لأنه يحوز أهمية استثنائية لفهم جوهر الصراع بين الدولتين؛ ليس انطلاقاً من الموقع المفتاحي لسورية بالمعنى الجيوسياسي ضمن الشرق الأوسط فحسب، بل وأهم من ذلك أنّ سورية قد تحولت إلى ساحة يتكثف فيها الصراع الدولي بأكمله، ما يعني أنّ متابعة مواقف السعودية وتركيا تجاه ما يجري في سورية، تسمح بفهم أعمق لطبيعة الاصطفاف الدولي لكل منهما، وهذا الاصطفاف بالذات هو برأينا ما يحدد إلى درجة كبيرة جوهر الصراع الراهن بين الدولتين.

 

في سورية، دعمت كل من تركيا وقطر والسعودية، جماعات مسلحة إسلامية معارضة عديدة، قسم منها على الأقل جهادية متطرفة، مع ذلك فقد كانت هذه الجماعات متباينة وفقاً للدولة الداعمة، وطوال سنوات عديدة قامت هذه المجموعات بتصفية بعضها البعض، قبل أن تدخل روسيا بشكل مباشر لتقلص مساحات سيطرة مجمل هذه المجموعات إلى الحدود الدنيا. في النصف الثاني من عام 2018 بات من الواضح أنّ سيطرة المعارضة المسلحة باتت مقتصرة على محافظة إدلب وبعض مناطق الشمال الغربي السوري، وهذه كلها تخضع بشكل كامل للنفوذ التركي (عدا جبهة النصرة التي لها وضع خاص سنتحدث عنه لاحقاً).

ورغم أنّ النفوذ السعودي ضمن المعارضة السورية العسكرية قد جرت تصفيته بشكل كامل، إلا أنّ التمثيل السياسي للمعارضة لا يزال محل صراع بين الدولتين. أفضل تعبير عن هذا الصراع، أنّ العاصمة السعودية الرياض هي المكان الذي يوجد فيه مقر ما يسمى هيئة التفاوض السورية المعارضة (التي تضم ثلاث منصات معارضة نص عليها قرار مجلس الأمن الدولي 2254، هي الرياض موسكو والقاهرة)، في الوقت الذي يقيم فيه رئيس هذه الهيئة ومعظم أعضائها، في اسطنبول التركية. أكثر من ذلك، فإنه وفقاً لتصريحات أطلقها نائب سابق لرئيس الهيئة على تلفزيون العربية الحدث السعودي، فإنّ رئيس الهيئة وعدداً كبيراً من أعضائها المقيمين في تركيا، باتوا يحملون الجنسية التركية.

في شمال شرق سورية، لا يزال الوجود الأمريكي واقعاً، رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته سحب قواته من هنالك بشكل كامل وسريع، وهو الإعلان الذي أعاد التأكيد عليه منذ أيام. إلى جانب الوجود الأمريكي، توجد قوات (قسد) المحلية المدعومة أمريكياً، والذي يشكل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي نواتها الأساسية. هذا الحزب يعتبر من وجهة النظر التركية فرعاً لـPKK الحزب الكردي الأكبر في تركيا، والذي تصنفه كردياً حزباً إرهابياً، ويخوض معها صراعاً مسلحاً منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، ولذا فإن تركيا تطالب بإنهاء سيطرة PYD، وهددت مراراً بأن تقوم بعملية عسكرية باتجاه الشمال الشرقي لإنهاء وجوده، حتى مع وجود القوات الأمريكية.

قبل الإعلان الأمريكي عن الانسحاب من الشمال الشرقي، زار مسؤولون سعوديون المنطقة، وبعد ذلك جرى الإعلان عن دعم سعودي يصل إلى 100 مليون دولار بغرض «تعزيز الاستقرار في المنطقة»، وهو ما اعتبرته تركيا استفزازاً مباشراً لها.

بعد الإعلان عن الانسحاب، ودخول القوى الإقليمية المختلفة بما فيها تركيا والسعودية، مرحلة إعادة ترتيب الأوراق بما يتناسب مع الواقع الجديد الذي سيؤسس له الانسحاب، بدا أنّ الاشتباك السعودي التركي قد وصل إلى ذروة غير مسبوقة؛ يمكن تتبع ذلك في ارتفاع حدة التصريحات التركية خلال الأسابيع الأخيرة في مسألة خاشقجي، ورفع الاستعدادات العسكرية التركية على الحدود السورية والإعلان عن الوصول إلى الجاهزية التامة لبدء العملية العسكرية. كما يمكن تلمس ذلك في النشاط السعودي المكثف في محاولة إنجاز تفاهمات مع برزاني رئيس إقليم كردستان العراق ومع المجلس الوطني الكردي السوري القوة الكردية الثانية على الساحة السورية، إضافة إلى اتصالات مستمرة ومتنامية مع PYD، بالتوازي مع تصاعد الحديث عن صفقة سعودية مع الحكومة السورية تعود بموجبها سورية إلى الجامعة العربية (بعد تجميد عضويتها فيها سنوات متتالية) وتساهم السعودية في إعادة الإعمار، مقابل تموضع عربي جديد لسورية ليس ضد إيران فقط، بل وضد تركيا أيضاً، وبكلام آخر ضد مسار أستانا (الذي ترعاه كل من روسيا وتركيا وإيران والذي انطلق عام 2017)

 

Flash back

إنّ التأريخ لطبيعة التنافس والصراع السعودي- التركي، لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار أنّ علاقات الجانبين قد مرت بشهر عسل امتد من عام 2006 حتى عام 2011، وبدأ مع زيارة الملك السعودي السابق عبد الله لتركيا بعد انقطاع استمر 40 عاماً متتالية، وكرر تلك الزيارة عام 2007، ومن الجانب التركي قام أردوغان خلال الفترة بين 2006-2011 بأربع زيارات للسعودية.

شهر العسل المشار إليه، لم يكن سوى خروج مؤقت عن «الحالة الطبيعية» للعلاقات بين الدولتين؛ علاقات قائمة على تنافس مستمر في الإطار الإقليمي، تنافس مشحون بعداوات الماضي.

مع انطلاق «الربيع العربي»، انتهى شهر العسل، وبدأ التباعد يزداد يوماً وراء آخر؛ دعم الأتراك الإخوان المسلمين في مصر وفي تونس، وعد السعوديون ذلك تمدداً تركياً غير مقبول على مساحات كان ولاؤها أقرب للسعودية من الأتراك، وعملت السعودية والإمارات بشكل حثيث على ضرب مواقع الإخوان المسلمين في مصر وتونس وليبيا وغيرها، ونجحوا بذلك إلى حد بعيد. ورغم أنّ الصراع كان لا يكف عن التنامي إلا أنّه بقي حتى نهايات 2015، مضبوطاً بحدود لم تختلف كثيراً عن تلك التي بقي ضمنها طوال آخر أربعة عقود من القرن العشرين.

ضبط الصراع كان ناجماً في تصورنا عن انتماء الدولتين لمحور دولي واحد هو المحور الأمريكي في صراعه مع المحور السوفياتي، وبقيت الدولتان ضمن المحور نفسه بسقوط الاتحاد السوفياتي وسيادة الأحادية القطبية، لكن هذه المسألة بدأت بالتغير بشكل عاصف خلال السنوات الثلاث الأخيرة...

 

نقطة انعطاف

مع ظهور التراجع الأمريكي على الساحة الدولية، بدأت تركيا تشق طريقاً مختلفاً بتسارع متزايد، وساعدها في ذلك الأساس الاقتصادي الصناعي المهم الذي حققته على مدى عقود متتالية، وخاصة خلال الألفية الجديدة، إضافة إلى موقعها الفريد ضمن خطوط الطاقة والنقل الخاصة بالحزام والطريق وبالمشروع الأوراسي ككل. وهو ما سمح لها بإحداث انعطافة جدية في تموضعها الدولي. هذه الانعطافة بدأت قبل عدة سنوات من محاولة الانقلاب الفاشلة 15 يوليو 2016، لكن فشل تلك المحاولة بالذات والتي يبدو الأتراك مقتنعين بأن الولايات المتحدة تقف وراءها، وليس الولايات المتحدة وحدها، بل وأيضاً عدة دول إقليمية على رأسها السعودية، التي تأخرت ساعات عديدة، حتى بات واضحاً أن المحاولة قد فشلت، حتى أعلنت عن تأييدها للحكومة التركية، بل وأعطت إشارة أكثر وضوحاً عبر استضافة فتح الله كولن المتهم الأول بتنظيم الانقلاب على القناة الفضائية السعودية الأهم، قناة العربية الحدث بعد فترة قصيرة من محاولة الانقلاب.

بعد المحاولة الفاشلة، والتي يقال إنّ موسكو هي من ساعدت في إفشالها عبر اكتشاف مخابراتها للعملية قبل حدوثها وتحذير أردوغان مسبقاً، بدأ التقارب الروسي التركي يصبح أمراً واقعاً عبر سلسلة من الاتفاقات التجارية والعسكرية، جرى تتويجها مؤخراً بالقمة المشتركة للرئيسين التي افتتحا خلالها عمل خط السيل التركي.

 

منظومة إقليمية- دولية جديدة

قبل ذلك، وفي إطار حجر العقد السوري، جرى إطلاق «مسار أستانا» لخفض التصعيد العسكري على الأرض السورية، والذي امتد نحو «لقاء سوتشي للحوار الوطني السوري» الذي وضع الأساس لإنشاء اللجنة الدستورية السورية، وبات كل ما يتعلق بالأزمة السورية وحلها متمحوراً حول ثلاثي أستانا (روسيا- تركيا- إيران)، حتى إنّ المحاولة الأمريكية لزحزحة مركز الثقل باتجاهها عبر إنشائها لما يسمى المجموعة المصغرة لم يستطع إنجاز شيء فعلي على الأرض. (بدأت المجموعة بخمس دول ليس مصادفة أبداً أن السعودية إحداها، إلى جانب الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، الأردن، وانضم لها لاحقاً كل من ألمانيا ومصر).

من وجهة النظر الأمريكية، والغربية عموماً، فإنّ النفوذ والسيطرة ضمن المنطقة بمستواه الإقليمي، كان طوال عقود متتالية يعبر عن نفسه بجملة من المنظومات والتحالفات، فإلى جانب الناتو، هنالك مجلس التعاون الخليجي (الذي تم إنشاؤه عام 1980 كمقابل للثورة الإيرانية)، وهنالك جامعة الدول العربية، إضافة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، وغيرها من المنظمات. واقع الأمور أنّ هذه المنظمات منفردة ومجتمعة لم تعد قادرة على التأثير في مجرى الأمور ضمن المنطقة، بل لقد غدت مجرد هياكل مجمدة لا تكاد تلعب أي دور على الإطلاق.

بمقابل هذه المنظومات، فإنّ منظومة أستانا، الإقليمية من حيث وظيفتها المباشرة، ولكن الدولية أيضاً من حيث تأثيرها، باتت المنظومة الأهم والأكثر تأثيراً ضمن المنطقة بأسرها.

هل يمكن للسعودية التأقلم؟

إذا كان ميزان القوى الدولي قد تغير، ووزن الغرب في منطقة الشرق الأوسط قد بدأ بالتراجع بشكل متسارع، فإنّ من شأن ذلك أن يدفع مختلف الحكومات والأنظمة، بما فيها الحليفة للغرب تاريخياً، إلى إعادة النظر في تموضعها، وهذا ما نجده واضحاً في الحالة التركية، خاصة وأنّ سياسة الفوضى الخلاقة الأمريكية لم تعد مقتصرة على دول تحكمها أنظمة تصرح بالعداء لأمريكا، بل وباتت كل دول المنطقة مستهدفة؛ لو نجحت محاولة الانقلاب التركية لكان احتمال اتجاه البلاد صوب فوضى عارمة، هو الاحتمال الأرجح.

بهذا المعنى، فإنّ السعودية نفسها تعلم أنها ربما تكون مستهدفة أيضاً بمحاولات التفتيت الداخلي، ولذا فإنّ من المفهوم أنّ تياراً ضمن القيادة السعودية قد بدأ بالتفكير جدياً في إعادة التموضع على الخارطة الدولية، على الأقل من باب موازنة كفة الضغوط الأمريكية المتزايدة عليها. لكن ما يجعل مهمة الانعطاف بالنسبة للسعودية أصعب منها في تركيا، هو ضعف الأساس الاقتصادي، الذي لا يزال معتمداً بشكل أساسي على النفط، ولم يسر نحو تنمية اقتصادية حقيقية، ما يعني أنه اقتصاد يعاني من درجات تبعية عالية... ولكن المؤكد أنّ الصراع حول التوجهات الاستراتيجية الكبرى سيشتد خلال السنوات القليلة المقبلة وسيجري حسمه في نهاية المطاف، ولكن حتى ذلك الحين فإنّ الدور السعودي سيبقى في جوهره معادياً لمنظومة أستانا ومعادياً شرساً لتركيا.

 

ماذا عن تركيا نفسها؟

إذا كانت تركيا قد أنجزت انعطافة كبرى بعد محاولة الانقلاب، ولا تزال تسير فيها، فهذا لا يعني إطلاقاً أن الصراع الداخلي حول التوجه الاستراتيجي والتموضع الدولي قد حسم نهائياً... إذ لا يزال التيار الأمريكي الهوى قوياً وعميق الجذور داخل أجهزة الدولة المختلفة، وخاصة المؤسسة العسكرية، وهذا ما يفسر صعوبة السير إلى الأمام في ملفات عديدة على رأسها الملف السوري، وبشكل خاص ملف إدلب وكيفية التعامل مع جبهة النصرة، فهذه الأخيرة نفسها مدعومة من تيار ضمن تركيا، هو التيار الأقرب للأمريكان، ولذا فإنّ إنهاءها يمر عبر صعوبات كبرى.

 

هل هنالك مخرج؟

الأكيد حول الصراع السعودي- التركي، أن حدود الضبط القديمة قد انفلتت مع تراجع القبضة الأمريكية، وأياً يكن الشكل الجديد الذي سيستقر عليه هذا الصراع، فإنّه بالضرورة شكل جديد بالكامل، ما يطرح احتمالاً نظرياً لا يجوز إهماله، هو احتمال الوصول إلى حالة تعاون على مستوى المنطقة بأكملها وفقاً لنظام علاقات دولي جديد بالكامل تقوده أطراف أوراسيا الكبرى (الصين وروسيا وأوروبا) وتشترك فيه كل دولها... يبدو الاحتمال ضرباً من الخيال؟ نعم، لكنه خيال علمي!